السيد كمال الحيدري

104

في ظلال العقيده والاخلاق

« وهذا المسلك هو المأثور من بحث الأقدمين من يونان وغيرهم فيه ( أي في علم الأخلاق ) . ولم يستعمل القرآن هذا المسلك الذي بناؤه على انتخاب الممدوح عند عامّة الناس عن المذموم والأخذ بما يستحسنه الاجتماع وترك ما يستقبحه . . . » « 1 » . فهو إذن مسلك الفلاسفة وعلماء الأخلاق السابقين ولم يستعمله القرآن ، والسرّ في ذلك أنّ القرآن الكريم لا يمكن أن يدعو الناس إلى هذا الأمر على أساس دنيوي وجزاء زائل اعتباري . كما أنّ مثل هذا الأساس إنّما يصلح ظاهر العمل لا باطنه فإنّ الثناء الجميل والذكر الحسن مثلًا يتوقّف على ظاهر العمل لا باطنه ، ومثل هذا مثل ذلك الشخص الذي كان يصلّى في المسجد ويحسن القراءة ، حتّى إذا مدح قراءته من كان جالساً إلى جواره التفت إليه قائلًا : وأنا مع ذلك صائم ، فلأنّه كان يعيش مع الظاهر اضطرّ إلى إعطاء الظاهر والتصريح به مع أنّ حقيقة الجزاء تكمن في باطن العمل لا ظاهره . وهاهنا مسألة مهمّة لابدّ من الإشارة إليها ، وهى أنّ الإسلام لم يهمل ظاهر العمل ، كما قد يتبادر إلى ذهن بعض الناس ، بل أوجد له قوانين محكمة ودقيقة ثمّ وجّه الإنسان بعد ذلك إلى اتخاذ هذا الظاهر معبَراً إلى الحقيقة وإلى بواطن الأعمال .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 1 ص 355 .